ابن قتيبة الدينوري

231

تأويل مشكل القرآن

عندها وأمسك عن ضربها ؟ ! هذا ما ليس به خفاء ولا يغلط متأوّله . ولكنها همّت منه بالمعصية همّ نيّة واعتقاد ، وهمّ نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، همّا عارضا بعد طول المراودة ، وعند حدوث الشهوة التي أتي أكثر الأنبياء في هفواتهم منها . وقد روي في الحديث : أنه ليس من نبي إلا وقد أخطأ أو همّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا ، عليهما السلام ، لأنّه كان حصورا لا يأتي النساء ولا يريدهنّ « 1 » . فهذا يدلّك على أنّ أكثر زلّات الأنبياء من هذه الجهة ، وإن كانوا لم يأتوا في شيء منها فاحشة ، بنعم اللّه عليهم ومنّه ، فإن الصغير منهم كبير ، لما آتاهم اللّه من المعرفة . واصطفاهم له من الرسالة ، وأقام عليهم من الحجّة . ولذلك قال يوسف ، صلّى اللّه عليه وسلم : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] ، يريد ما أضمره وحدّث به نفسه عند حدوث الشّهوة . وقد وضع اللّه تعالى الحرج عمّن همّ بخطيئة ولم يعملها . وقالوا في قوله : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً : إنه غاضب قومه ! استيحاشا من أن يكون مع تأييد اللّه وعصمته وتوفيقه وتطهيره ، يخرج مغاضبا لربّه . ولم يذهب مغاضبا لربّه ولا لقومه ، لأنّه بعث إليهم فدعاهم برهة من الدّهر فلم يستجيبوا ، ووعدهم عن اللّه فلم يرغبوا ، وحذّرهم بأسه فلم يرهبوا ، وأعلمهم أنّ العذاب نازل عليهم لوقت ذكره لهم ، ثم إن اعتزلهم ينتظر هلكتهم . فلما حضر الوقت أو قرب فكّر القوم واعتبروا ، فتابوا إلى اللّه وأنابوا ، وخرجوا بالمراضيع وأطفالها يجأرون ويتضرّعون ، فكشف اللّه تعالى عنهم العذاب ، ومتّعهم إلى حين . فإن كان نبي اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، ذهب مغاضبا على قومه قبل أن يؤمنوا ، فإنما راغم من استحق في اللّه أن يراغم ، وهجر من وجب أن يهجر ، واعتزل من علم أن قد حقّت عليه كلمة العذاب . فبأيّ ذنب عوقب بالتهام الحوت ، والحبس في الظّلمات ، والغمّ الطويل ؟ .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 254 ، 292 ، 295 ، 301 ، 320 ، بلفظ : عن ابن عباس : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ أو همّ بخطيئة ، ليس يحيى بن زكريا » . وروي الحديث بلفظ : عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل بني آدم يلقى اللّه بذنب ، وقد يعذبه عليه إن شاء ، أو يرحمه ، إلا يحيى بن زكريا ، فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين » ، وأهوى النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال : « ذكره مثل هذه القذاة » . أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 373 ، وابن الجوزي في زاد المسير 1 / 383 ، والسيوطي في الدر المنثور 4 / 262 ، والشوكاني في الفوائد المجموعة 397 ، وابن أبي حاتم الرازي في علل الحديث 1835 ، 1913 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 32428 ، والطبري في تفسيره 6 / 377 - 378 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 209 .